الغزالي

77

إحياء علوم الدين

أزواجه من الحور العين ، فيقول قد جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا فتقول أنت رأيته ؟ فيقول أنا رأيته وهو بأثرى . فيستخفها الفرح حتى تقوم إلى أسكفة بابها ، فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه ، فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أحمر ، وأخضر ، وأصفر ، من كل لون . ثم يرفع رأسه فينظر إلى سقفه ، فإذا مثل البرق . ولولا أن الله تعالى قدره لألمّ أن يذهب بصره . ثم يطأطئ رأسه ، فإذا أزواجه ، وأكواب موضوعة ، ونمارق مصفوفة ، وزرابي مبثوثة . ثم اتكأ فقال : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، ثم ينادى مناد : تحيون فلا تموتون أبدا ، وتقيمون فلا تظعنون أبدا ، وتصحون فلا تمرضون أبدا . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « آتى يوم القيامة باب الجنّة فأستفتح فيقول الخازن من أنت ؟ فأقول محمّد فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك » . ثم تأمل الآن في غرف الجنة ، واختلاف درجات العلو فيها ، فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا . وكما أن بين الناس في الطاعات الظاهرة ، والأخلاق الباطنة المحمودة تفاوتا ظاهرا ، فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر . فإن كنت تطلب أعلى الدرجات فاجتهد أن لا يسبقك أحد بطاعة الله تعالى ، فقد أمرك الله بالمسابقة والمنافسة فيها ، فقال تعالى * ( سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ ) * « 1 » وقال تعالى * ( وفي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ) * « 2 » والعجب أنه لو تقدم عليك أقرانك أو جيرانك بزيادة درهم ، أو بعلو بناء ، ثقل عليك ذلك ، وضاق به صدرك ، وتنغّص بسبب الحسد عيشك . وأحسن أحوالك أن تستقر في الجنة ، وأنت لا تسلم فيها من أقوام يسبقونك بلطائف لا توازيها الدنيا بحذافيرها . فقد قال [ 2 ] أبو سعيد الخدري : قال رسول الله

--> « 1 » الحديد : 21 « 2 » المطففين : 26